|
هي امرأة هجرت قفص الصمت، نهضت من مرقد
الموت الذي أطبق رصاصاته على جسدها ليسلبها ما ملكته لأبنائها،
ولكنها كسبت المعركة، ربما بعد أن أصيبت بسبع وثلاثين رصاصة، وجدت
الأرض مقفرة من حولها .
أنهكها الزمان ولكنه نأى بعيدا في
زاوية الخراب التي في قلبها، لتعلمنا كيف البحث عن مكان نضع به اشد
الألم ونقابل من حولنا بابتسامة أمل أو حياة قد نفارقها يوما
رابحين غير مهزومين.
امرأة عكست لنا صورة النضال والمقاومة
والدفاع عن الأرض والإنسان الذي علمت قيمة دمائه جيدا وكانت ما
دفعت ثمنه حريتها وحركتها ومقابله حصلت علي كرسي متحرك وأكياس
وحفاظات تلازمها بقية حياتها، ولكنها غير آبهة لذلك.
دبابة رصدت نشاطها، تحركها، علمت بأنها
تأوي رجالا للأمن الوطني حماية لهم أيام الاجتياح، خرجت ذات صباح
لحصد بعض الثمار لتعد طعام الغذاء حاملة طفلها الصغير معها، فإذا
بدبابة اسرائلية تباغتها بسبع وثلاثين رصاصة من نوع مائتين وخمسين
وأخرى من المتفجر، لتتركها بعد ذلك مسلوبة الحركة كل همها هو طفلها
الذي ظنت بأنه فقد أطرافه، فلما رأته سالما بين أحضانها رددت
الشهادتين ولكنها لم تمت بل عاشت لتسرد لنا قصتها مع الحياة التي
علمتها دروسها قبل ان يحين اجلها.
امرأة طلقت بعد إعاقتها تعيل سبعة
أبناء، بيتها الفقير الذي لا يصلح لعيش بشر غرفتان إحداهما بلا
نوافذ وباب سوى قطع من البلاستك قد تفي بالغرض.
هي أم ككل الأمهات ولكنها معاقة بشلل
نصفي سفلي، ضحت من أجل أبنائها وستضحي إلى آخر رمق، فعندما سألناها
عن يومها وكيف تقضيه أجابت وبكل فخر "أنا أم لأطفال في سن المدرسة
من أجلهم أتحامل على نفسي زاحفة لأعد لهم طعام الغذاء، فأنا من
أخبز لهم خبزهم وأغسل ملابسهم، وأنا من يعتني بهم، وأنا من أسهر
على راحتهم، وأنا من أداوي مرضهم، وأنا من أعطيهم الحنان والحب، ثم
نظرت إلينا نظرة حزينة وقالت"من دوني إلى من سأتركهم، أنا الآن
أزحف من أجلهم على أربع لأننى أمهم، أتحامل على المعاناة والمرض،
فليس لهم بعد الله إلا أنا؟!؟.
في يوم ما في زمان ما كنت أماً للجميع،
أحميهم وآويهم في بيتي أطعمهم أدفع عنهم خطر الموت، دفعت ثمن ذلك
غالياً ولكنني فخورة بنفسي، وهذا هو اجل ربح ربحته في حياتي، ومن
يضعف الأم هو شئ وحيد ألا وهو أبنائها ".
أناشد كل من لديه ضمير حي أن يأتي ويرى
حالتي وما أعاني منه أنا وأبنائي فأنا معيلهم الوحيد، وأنا الآن لا
حول لي ولا قدرة ،أرجوكم انظروا إلى حالتي فقط وهي ستحدثكم عني دون
أي شكوى مني، أرجوكم ساعدوني من أجل أبنائي يوماً كما كنت لأبنائكم
يوماً.
هي امرأة أعطت للوطن الكثير، ضحت بكل
ما هر غالي وثمين، علمت مدى الخطورة التي يمكن أن تصيبها، ولكنها
آثرت الاستمرار في نضالها إلى آخر رمق في حياتها، هي أم تستحق منكم
الكثير....
ربما الكثيرون منكم سمع عنها، وعن بطولاتها المجيدة وحمايتها
للمطاردين والمقاومين، ألا وهي المناضلة المعاقة (زينب عبد السلام
الفليت). |